محمد هادي معرفة
253
التفسير الأثري الجامع
فحمت عاصما ولم يقدروا عليه ، فسميّ حميّ الدّبر ، فلمّا حالت بينهم وبينه ، فقالوا : دعوه حتّى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ، فجاءت سحابة سوداء ومطرت مطرا كالعزالي « 1 » فبعث اللّه الوادي غديرا فاحتمل عاصما فذهب به إلى الجنّة وحمل خمسين من المشركين إلى النّار . قال : وكان عاصم قد أعطى اللّه عهدا أن لا يمسّ مشركا ولا يمسّه مشرك أبدا تنجّسا منه ، وقال عمر بن الخطّاب - حين بلغه الخبر أنّ الدّبر منعته - : عجبا لحفظ اللّه العبد المؤمن ، كان عاصم نذر أن لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا أبدا ، فمنعه اللّه بعد وفاته كما امتنع منه في حياته . فأسر المشركون خبيب بن عديّ وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكّة ، فأما خبيب فابتاعه بنو الحرث بن عامر ليقتلوه ، وكان خبيب هو الّذي قتل الحرث بن عامر بأحد . فبينما خبيب عند بنات الحرث إذ استعار من إحداهنّ موسى ليستحدّ بها للقتل « 2 » فأعارته . فدرج بنيّ لها وهي غافلة ، فما راع المرأة إلّا خبيب « 3 » قد أجلس الصبيّ على فخذه والموسى بيده ، فصاحت المرأة : فقال خبيب : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إنّ الغدر ليس من شأننا ! فقالت المرأة بعد - وكانت قد أسلمت - : ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب ؛ لقد رأيته - وما بمكّة من ثمرة ، وإنّ في يده لقطفا من عنب يأكله ، إن كان إلّا رزقا رزقه اللّه . ثمّ إنّهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه وأرادوا أن يصلبوه فقال : ذروني أصلّي ركعتين ، فتركوه فصلّى ركعتين فجرت سنّة لمن يقتل صبرا أن يصلّي ركعتين ، ثمّ قال : لولا أن يقولوا جزع خبيب لزدت ، وأنشأ يقول : ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شقّ كان في اللّه مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك في أوصال شلو ممزّع « 4 » ثمّ قال : اللّهمّ أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا . فصلبوه حيّا ، فقال : اللّهمّ إنّك
--> ( 1 ) العزالي - جمع العزلاء - : مصبّ الماء من القربة ونحوها . ( 2 ) أي ليحلق الشعر من جسده استعدادا للورود على اللّه ، متطهّرا . وفي الروض الأنف ( 3 : 226 ) : أنّه طلب منها حديدة ليتطهّر بها للقتل . ( 3 ) أي ما أفزعها إلّا ما رأت أنّ خبيبا قد أجلس ولدها على فخذه . ( 4 ) الشلو : العضو . والممزّع : المقطّع .